ابن قيم الجوزية
9
الروح
[ المقدمة ] بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه المتصف بصفات الكمال ، المنعوت بنعوت الجلال ، الذي علم ما كان وما يكون وما هو كائن في الحال والمآل ، وحكم بالموت على كل ذي روح من مخلوقاته ، وساوى فيه بين الملك والمملوك ، والغني والفقير ، والشريف والضعيف ، والعاصي والمطيع ، من سكان أرضه وسماواته ، فهو الذي عدل في الآخرة بين برياته « 1 » ، قبض روح هذا بعد ما عمر الدنيا وزخرف البناء وتوطّنها ، وليست لحي وطنا ، وتبغي روح الآخر الذي اجتهد في إصلاح آخرته ، وجعل الدنيا لجة « 2 » ، واتخذ صالح الأعمال فيها سفنا ، فشتان ما بين خروج الروحين من الجسدين ، هذه لها السعادة والهناء ، وتلك لها الخيبة والشقاء والعناء « 3 » ، هذه ترفع في رياض الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش في لذة ونعيم ، وتلك محبوسة تعذب في نار الجحيم . وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، إله تحبب إلى عباده بنعمه وآلائه ، وابتدأهم سبحانه وتعالى بإحسانه العميم وعطائه ، فعياذا بعزته جل جلاله أن يختم بالإساءة وقد بدأنا بالإحسان ، فله سبحانه الحمد والشكر والنعمة والفضل والخلق والأمر والثناء الحسن الجميل والامتنان . وأشهد أن محمدا صلوات اللّه وسلامه ، عبده ورسوله الطيب الروح
--> ( 1 ) يقال : برأ اللّه الخليقة يبرؤها ( بفتحتين ) أي خلقها ، فهو البارئ ، والبرية فعيلة بمعنى مفعولة . ( 2 ) اللّجّ : بالضم : الجماعة الكثيرة ومعظم الماء ، كاللجة فيهما ، ومنه بحر لجي ويكسر . ( 3 ) عني : من باب تعب ، إذا نشب في الإسار فهو عان ، والجمع عناة ، ويتعدى بالهمزة ، وعنى الأسير من باب تعب لغة أيضا ، ومنه قيل للمرأة عانية لأنها محبوسة عند الزوج ، والجمع عوان ، وعنا يعنو عنوة : إذا أخذ الشيء قهرا ، وكذلك إذا أخذه صلحا فهو من الأضداد قال ( كثير عزة ) : فما أخذوها عنوة عن مودة * ولقد ضرب المشرفي استقلالها